أبي حيان التوحيدي
253
المقابسات
الشك عن قلبك ، وصحبت القين بعقلك ، وهجرت الحس الذي يكذبك ، وواصلت الناصح لك ، ولزمت فناءه ، واستعنت وأعنت ، وعرفت واعترفت . من غمس نفسه في غمار الطبيعة هلك وطاح ، ومن اجتلى نفسه بزينة العقل طرب وارتاح ، ومن صمد للغاية بجده وجهده نشر وباح ، ومن تهاون بتحصيل ما له وعليه خسر وناح . لا يسخرنك ما يرجرج لعينك عما يبهج لعقلك . لا تتمن الموت طلبا للراحة مما أنت مخنوق به مسحوب عليه دون أن تثق بما تستريح إليه ، فإنك متى أهملت هذا النظر حقت عليك أن تكون استراحتك مما أنت فيه بالموت طريقا إلى شقوتك فيما بعد الموت ، فمن أخس منك إذا ؟ لا عيب على من جهل النفس الفاضلة أن يخدم الطبيعة الجاهلة ، إنما العيب على من لحظ العيب في معدنه ، وشعر بالخير من متوجهه ، ثم أعرض عنه سادرا ، ورضى أن يرحل عن هذه الدنيا حائرا بائرا . أفرق بين متحرك من كذا وكذا ، وبين متحرك من كذا إلى كذا ، حتى يصفو عزمك في طلب ما لا بد لك منه ، ثم لا تقف حتى يلحظ المتحرك على كذا وكذا فيه شرفك الأعلى ، واليه كان سعيك الأدنى والأقصى الطبيعة شائعة في الأجسام ومحركة لها مبدية قواها فيها ، فأما النفس فإنها تتحرك في الأرواح النقية ، والجواهر الصافية ، وهناك يبرز عينها بالحدس والظن ، والعلم واليقين ، والحق والصواب ، ثم العقل بعد هذا كله حركة أخرى في البسائط العالية والغايات البعيدة ، وبهذا تنال السعادة ويستحق الخلود ويصار إلى ما لا يحويه وصف ، ولا يرسمه رصف ، هناك يقف الشوق عن الازعاج ، ويحاز الشرف كله بلا ممارسة ولا علاج حركة الطبيعة في الأجسام نقش موموق ، وحركة النفس في الأرواح الشريفة وشيء معشوق ، وحركة العقل في الأنفس الفاضلة معنى أنيق العفة خليفة النفس الناطقة عند الطبيعة المغضبة ، والعدالة كمال للجميع